تعرف الأحزاب السياسية خلال هذه الفترة بالذات حركية غير معتادة، وهو ما ينم على دنو تاريخ الاستحقاقات التشريعية لــ 24 من شتنبر 2026، ذلك أن الجواب عن هذا الغليان الحزبي والسياسي لهو عنوان واحد، ويتعلق الأمر بالتزكية الحزبية، فما هي يا ترى المعايير الحزبية التي يجب أن يتم من خلالها تأطير العلاقة بين المزكي والمزكى؟ هل الأخلاق لوحدها كافية، أم أن الأمر يحتاج لمعرفة ودراية كافيتين لتدبير قضايا الشأن العام، سواء أتعلق الأمر بحسن الاضطلاع بمهام برلمانيي مجلس النواب، أي الغرفة الأولى، أغلبية ومعارضة، ناهيك عن نجاعة وفعالية الأداء السياسي والمؤسسي للمرافق العامة للدولة عبر بوابة السلطة التنفيذية، أي الحكومة، رئيسا ووزراء وكتاب دولة.
إن التعرض لتحليل هذا الموضوع المركب ليرتبط ارتباطا وثيقا بالمستجدات الاستراتيجية التي جاءت بها القوانين الانتخابية، كالقانون التنظيمي لمجلس النواب، وقانون الأحزاب، ومدونة الانتخابات، ذلك أن جوهر هذه المقتضيات القانونية التنظيمية أصبح يؤلف بينها محور واحد عنوانه تخليق الحياة السياسية من جهة، وتوسيع المشاركة السياسية للمواطن، وخاصة الشباب والنساء. فهل يكفي حسن الخلق لوحده لكي نقبل بالسيرة الذاتية للمرشح للتزكية الحزبية في أفق خوض غمار الانتخابات التشريعية وبعدها الترابية، أم أن واقع التدبير اليومي لقضايا الشأن العام يربط لزاما هذا المعطى بنصف معادلة نجاح المزكى والمنتخب لكي يضطلع بمهامه على أحسن وجه، وفي اتساق تام مع السياسة العامة للدولة والسياسات العمومية للحكومة، والتي أصبحت مطالبة برفع المردودية، وذلك في اتساق تام مع ارتفاع سقف المطالب المشروعة للمواطنات والمواطنين.
إن المتأمل في التجارب السياسية والحزبية الدولية المقارنة ليجد نفسه أمام أمالغام يجمع بين حسن السيرة والسلوك المرتبط بنظافة اليد من جهة، وبين المعرفة بخبايا ماهية الوسائل الكفيلة بالرفع من منسوب مردودية الخدمات المرفقية وربطها ببارومتر النجاعة والفعالية، وهو ما ينتج عنه النجاح في تطوير عجلة التنمية في هذه النماذج الكونية، وينعكس بالتالي على ارتفاع معدل رضى المواطن تجاه الفاعل السياسي، ومن ثمة التوسيع اللامشروط لرقعة المشاركة السياسية عبر بوابة التصويت، الذي يجمع في ثناياه بين الحق والواجب.
وبالرجوع إلى التجربة السياسية الحزبية المغربية، نجد أن التراكمات التي عرفتها عملية تدبير قضايا الشأن العام، وعبر بوابة التجارب الحكومية السابقة، بل وحتى الحالية، وفي اتساق تام مع واقع الحال المغربي الذي وصل إلى مستوى جيد من النضج السياسي، والذي أصبح يقارع المردودية الحكومية، ولو في غالب الأحيان عبر آليات التواصل الاجتماعي، وهو أمر فطنت إليه الأحزاب السياسية التي أرادت أن تغير من واقع الممارسة السياسية الحزبية، وذلك من خلال اعتماد سلة من التغييرات الجذرية لواقع الممارسة الديمقراطية، والتي أصبحت تعتمد بالدرجة الأولى على السيفي النظيف، نعم حسن الخلق واليد النظيفة، وخلو السجل العدلي من العقوبات والمتابعات القضائية، وهو مؤشر حقيقي ينم عن الرغبة في التغيير. فهل هذا كاف، أم أن الأمر يلزم البنية الحزبية المغربية بضرورة مواكبة هذا التغيير بالتكوين، نعم التكوين الحزبي للمزكى، أي المرشح ثم المنتخب، ثلاث مسميات كلها تحيل على الأخرى لكي تتشكل عبرها خريطة متزنة للفعل السياسي الحزبي المرهون بالتدبير الجيد لقضايا الشأن العام.
قد يعتقد البعض أننا نقصد الأمي معرفيا في هذا الإطار، أي “لي مقاريش” بالعامية، قصد إقصائه من العمل السياسي الميداني، وهو ما يمكننا دحضه في هذا الباب، ذلك أن البنية الحزبية السياسية مفتوحة أمام الأميين وأصحاب الشواهد، غير أن الفارق الذي يجب أن يتم بلوغه في هذا الإطار بيد الأحزاب السياسية المؤطرة أولا وقبل كل شيء بمضامين الفصل السابع من الدستور الحالي، ناهيك عن القوانين الانتخابية ذات الصلة، وهو ما يدفعنا للجزم في هذا المضمار بأن عهد الترقيع السياسي قد ولى، وهو ما فطنت إليه الأحزاب السياسية، ولكن هل ستواكبه ببلوغ المعادلة الخاصة بالتزكية، وذلك باحترام شقيها المتمثلين في السيفي الأخلاقي ثم البرامج التكوينية للمرشح، والتي لا يجب أن تقف فقط عند ذروة الانتخابات، بل يجب أن يتم ضمان استمراريتها طوال الدورة الحزبية السياسية المغربية.
فهل ستبلغ أحزابنا السياسية مريع التغيير المنشود، أم أن ريما ستبقى على عادتها القديمة؟ عبارة مجازية ستجيب عن حبكتها الانتخابات التشريعية القادمة.
-
تم النشر بـ:al3omk.com